عن الذهاب إلى أوسلو في الثلاثين من أغسطس

فيه شيء جميل بشأن الأفلام والكُتب، فكرة ما عن اللي تسيبه هناك وترجع تلاقيه

هَشرح، من أكتر من 10 سنين كان يوسف إدريس هو أكتر كاتب قريتله في حياتي، أقدر أدَّعي إني قريت تقريباً 90% من إرثه، اللي هو ضخم جداً، كل قصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته بالتأكيد، وكمان كتبه اللي عبارة عن مقالات مُجمَّعة، في الوقت ده كان زي ما يكون أبويا مثلاً، شغف حقيقي وفِهم للعالم –في الوقت المُبكر جداً ده- من خلاله، أشياء عديدة عن هشاشة الناس والزمن ولحظات الضعف العنيفة، أظن إن أغلب أدبه متعلّق بلحظات الضعف دي، ومن المثير للانتباه إن لو بكتب سيرته الذاتية مثلاً هركز على لحظات الضعف اللي مر بيها وكانت نقط أساسية في حياته

المهم، كبرت، وكان عالمي بالضرورة بيكبر، اللي بقراه وبشوفه وبستوعبه، وكان بقالي وقت طويل مقريتش لإدريس، وتراجع مع الزمن، بقيت حتى خايف إني أرجع أقراه فألاقيه مُختلف عن ذكرياتي عنه، لحد ما في وقت كنت بزور بيت أهلي، أعتقد في 2011، ولقيت نُسخة قديمة من بتوع مكتبة مصر لمجموعة “حادثة شرف”، فتحتها.. وقريت القصة اللي شايلة اسم المجموعة وقصة تانية طويلة اسمها “سره الباتع”، كانت كتابة وحكايات عظيمة، فاكر قد إيه الليلة دي كانت لحظة كبيرة، كنت بحتفي إن ما تركته عند الراجل رجعت بعد سنين لقيته

بحس ده في الأفلام، إزاي لما بنكبر ونتغيَّر ممكن اللي كان بيجذبنا في فيلم قبل كده منبقاش حاسينه دلوقتي، عشان كده لما بفكر مثلاً في كلمة “فيلم مُفضل” أقرب حاجة بتيجي لذهني فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا”، لإنه أكتر فيلم شفته في مراحل مختلفة في حياتي، وشايل فيه تفاصيل ولحظات وجمل وحركات كاميرا، وكل مرة برجع كل حاجة بتكون مكانها

آخر مرة شُفت فيلم “الحرّيف” كنت حاسس بكده، إن بقالي سنين مشفتوش، بس كل “لحظات الفيلم المُقدسة” كانت هنا، وهي لحظات عابرة جداً، لما فارس بيطلّع الجنيهات القليلة عشان يدّيها لكابتن مورو، الطريقة اللي بيرمي بيها الفلوس قدام الناس بتوع بورسعيد، شدّة القفص لما راح يزور أبوه، جملة “مببيعش إلا أجنبي يا فارس”، بصته في المرايا على مورو لما بيوصله آخر الفيلم، هزة راسه وضحكة “لا حول ولا قوة إلا بالله” لما قريبه بيعدي مع عزيزة، “مفيش إلا حريف واحد يا أبو رجل خشب”، كل التفاصيل الصغيرة والذكريات المتناثرة جوا الأفلام

أول إمبارح كانت لحظة مثالية عن “اللي بنسيبه جوا الأفلام”، كان عرض “أوسلو 31 أغسطس” في أضف

فاكر كويس مشاهدة الفيلم في 2012، مرة في السينما، ومرة لاحقة مع هبة، إني من وقتها بعتقد إن ده من أقرب الأفلام ليَّ، إنه عن مُحاولة نجاة مَقْضِي عليها بالفشل، إني كنت وقتها بكتب فيلم عن الانتحار.. وانقطاع الأمل.. ولما شُفت “أوسلو” حسيت إني مش عايز أكتبه عشان خلاص، ده الشيء اللي كنت بكتب عشان أحاول أفهمه

من وقتها مشفتش الفيلم على بعضه، لحد يوم التلات، كنت مستغرب إزاي تفاصيل في الفيلم مختلفة عن صورتها في ذاكرتي.. وفي نفس الوقت مُندهش من قد إيه كل حاجة في مكانها

في ذاكرتي، مثلاً، إن أندرش بيقعد في كافيه، وبنسمع صوت الناس، وبنشوف آوت أوف فوكس، ثم بيحصل قطع حاد عليه في كافيه داخلي قاعد لوحده
في الفيلم، المشهد بيكون أطول وأعظم من كده، أندرش قاعد، بنسمع صوت الناس، بنشوف استراقه النظر ليهم، كل واحد بيتكلم عن حاجة، عن حيواتهم الممتلئة، ثم –وفي تفصيلة عظيمة- بيبص على ناس بتتحرك في الشارع.. بنت جميلة فشخ وشكل جسمها متناسق.. بيتخيّل إنها بتمشي.. بتروح الجيم.. بتتمرن.. وتروح السوبر ماركت تشتري أكل.. وترجع البيت.. وتكون (وحيدة)، ولد شكله كويس.. بيتخيّل إنه ماشي لحد ما بيوصل لحديقة وبيقعد (وحيد)، تصورات أندرش عن حزن الناس.. وإن مفيش مَهْرب منه

في ذاكرتي مشهد مقابلة العمل أطول وأقل عظمة من كده، وإن مشهد الصديق القديم أقصر وأكثر عظيمة من كده، وإني مكنتش فاكر أصلاً ناريشن الحديث عن الأهل ولما شفته كان من أجمل الأصوات الخارجية اللي سمعتها في الأفلام

ثم فيه الحاجات اللي كانت زي ما هي، مُفتتح الحديث عن أوسلو، الحزن المتراكم في كل دقيقة في الفيلم، انقطاعات الأمل البطيئة، والقرار الشخصي بعدم الاستسلام لإغواءات الأمل، لأنه قد اكتفى، لحظة الأخت، ولحظة الحديث مع الحبيبة كتمسُّك أخير بكل شيء، كيف خذلته الحياة يوم الثلاثين من أغسطس وكيف خذلها؟ جملة أندرس الممتلئة فعلاً بالخيبة “لأ مش حقيقي، هتقضي ألف ليلة زي دي ومش هتفتكري حتى اللي حصل، كل حاجة هتتنسي”.. فتسأل “كل حاجة؟” ويُجِيب “كل حاجة”

وقبل كل شيء هناك الجملة اللي كنت ناسيها ولما فجأة لقيتها قدامي افتكرت قد إيه كانت بليغة وقادرة توصف حاجات كتير.. وإني لوقت طويل جداً كنت بفتكر الثورة بيها.. وبعد يومين من إعادة الفرجة كل شوية بفتكرها وأرددها:

“كان الجميع موقناً من الفوز.. أتذكر مدى خيبة الأمل”

.
.

تاريخ المُشاهدة: 15 ديسمبر

Advertisements