في لحظة هشّة من الزمن أحسست بالمحبة ناحية داوود


لم أحب داوود عبدالسيد كثيراً في أي وقت، لم يسبق له أن كان مخرجاً مُفضّلاً

له لحظاته بالطبع، منذ وقت قريب كنت أخبر شخصاً أن هناك مشاهد مُعيّنة وقليلة في الأفلام تتجاوز كونها “حدثاً” وتصبح بالنسبة لي كأنها “شعور”، شيء أستدعيه حين “أشعر” بشيءٍ مُعين، وأجد بلاغة أو مؤانسة فيما “أشعره” بما يوجد في تلك المشاهد.. وليس بكلماتٍ كـ”الحزن” أو “الهزيمة” أو “الأسى” مثلاً.

من أكثر “لحظات الأفلام التي تتحول إلى شعور” بالنسبة لي في فيلم “الكيت كات”، “كُنت فين انتَ يا عم مجاهِد”، في لحظتين أو ثلاثة في حياتي كان ما أشعره تحديداً “كنت فين انتَ يا عم مجاهد”، خليط من المعاتبة القوية مع بعض الزّعل وبعض استحقاق التقدير أو التفهُّم، “كنت فين لما حصل كذا وكذا وكذا”.. “انتَ متعرفش، وأنا آسف لو الأمور ساءت، بس انتَ مكنتش هنا عشان تفهم”.

هذا المشهد يعني لي الكثير، والفيلم كذلك، مع بعض لحظات “الصعاليك”، أشياء مُعينة في “أرض الخوف”، ربما “أرض الأحلام”. وخلاف ذلك لا يوجد الكثير ناحية داوود.

(2)

في 2010 حين شاهدت “رسائل البحر” للمرة الأولى  كان هناك تأكيداً على الفجوة بيني وبين هذا الرجل. وما تبقى في ذاكرتي كان كله مدعاة للسخرية، النوستالجيا العجوزة ناحية المدينة الكوزموبوليتانية، رمزية التفاح وحكايات الأنبياء التي يكررها، محادثة عبيطة للبحر عن “ظلم ده ولا فوضى”، افتعالية في طريقة تسيير الحكاية، الفراشات التي تظهر في مشاهد الختام، الناريشن المزعج والشارح جداً، وتفاصيل أخرى كثيرة، كنت أكره الفيلم فعلاً، حتى شاهدته ثانية قبل وقت قريب، في لحظة هشة من الزمن، ومن حينها أحاول فهم ما حدث، ولماذا شعرت بشيءٍ ما ناحيته، وشيء قوي فعلاً من التعاطف ناحية داوود.

(3)

حدث الأمر بعد مشاهدة “قدرات غير عادية”، كانت مشاهدة كارثية، لا يوجد مبرر أو شيء منطقي لفيلمٍ بهذا الضعف لمخرج هو في أقل الأحوال صنع شيئاً فريداً كـ”الكيت كات”.

 وأنا أحاول أن أفهم، فعلاً، أكثر شيء يمكن أن أصف نفسي به خلال السنوات الأخيرة في حياتي هو محاولة الفهم، وبالتالي التفهُّم، للناس.. للأشياء.. للأحداث أو المواقف العابرة، وطالما فهمت سأكون مرتاحاً، وأكثر قدرة لاحقاً على المسامحة أو التقبُّل أو الإعتذار أو الأسف. تمرينات دائمة ومتتالية على كيف يكون المرء أعمى ويحاول أن يرى، حتى لو لم يغير ذلك شيئاً في واقع الأمور.

لذلك كنت أريد أن أفهم، هذا شيء يختلف عما كنته قبل 5 سنوات، لأن الزمن شيء مهم، قبل 5 سنوات اكتفيت بالكراهية ناحية رسائل البحر، الآن أردت فهم ماذا أراد داوود من “قدرات غير عادية”؟ وباستثناء هواجسه المعتادة.. عن السلطة تحديداً (كمجتمع.. ونظام.. ودين).. ما هو الشيء الحقيقي الموصول به في الفيلم؟

كمحاولة للفهم.. قررت مشاهدة “رسائل البحر” دون طَمع كبير في إجابات.

(4)

كانت لحظة المشاهدة “هشة” لأن قلبي كان مفتوحاً حينها لضعفِ الغير. وأريد هنا التأكيد على ملحوظة بديهية وقديمة عن أن “تلقي الفنون” هو أمر مُراوغ، لأن لحظة الاستقبال وأجزاء القلب والعقل المستعدة للتفاعل ستكون مختلفة في كل مرة. وأنا كنت في لحظة هشة وبقلبٍ مفتوح تماماً.

بدا لي أن اختصار كل شيء هو في إحدى جمل الفيلم: “أنا بتهته وأنا بتكلم مع الناس، بس مبتهتهش وأنا بتكلم مع نفسي. بس أنا مش عايز أتكلم مع نفسي، أنا عايز أتكلم مع الناس”.

كنت أفكر، وقت إعادة مشاهدة الفيلم، وفي الأسبوعين التاليين وصولاً لهذا الكلام، أن هذا لسان داوود. ليس تعبيراً عن شخصية ولا موقف درامي، ولكنه اختصار شعوره الشخصي اتجاه العالم في تلك اللحظة، أنه “يريد أن يتكلم مع الناس”.

في كل المرات التي شاهدت فيها داوود يتحدث شعرت أنه رجل لا يستطيع التحدث بكلامٍ مفهوم. ليس بليغ كيسري ولا راغباً في سرد حواديت كخان، داوود يتهته –بشكلٍ أو بآخر- وهو يتحدث مع الناس، وهو يصنع أفلام، تحديداً رسائل البحر، لأنه يريد التحدث معهم. وأنا شعرت بالتعاطف والضعف والمحبة اتجاه تلك النظرة للفيلم.. حتى مشاكله الواضحة والمتبقية.. كشروح الناريشن مثلاً أو تفسير كل شيء بشكل مباشر والتكرار عليه.. وجدت نفسي متفهماً لذلك في سياق أن الرجل يريد “التواصل” يريد أن “يفهمه الناس” ويريد أن يحكي لهم عما يفكر فيه.. فيزيد في الشرح بحثاً عن تلك الصلة. حتى الأسى الساذج اتجاه “تغير المدينة” وأن صاحب السوبر ماركت يريد هدم البيت القديم لبناء مول.. وجدت هذا الأسى صادق جداً لأن رجلاً عجوزاً في السبعين من عمره يشعر فعلاً بهذا القدر من الغربة والأسى لأن عوالمه المعتادة تتغير وتزداد قسوة ويرغب أن يبيح بذلك إلى الناس لأنه “يريد التكلُّم معهم”.

من ذلك الحين، وطوال أسبوعين، وأنا أحاول استيعاب لماذا أشعر فعلاً بالمحبة والتعاطف اتجاه داوود، واتجاه فيلم لازال به كم عظيم من المشاكل الواضحة. وبدأت الكتابة وأنا أبحث عن إجابة، وربما وصلت.

(5)

– إيه رأيك في الفيلم؟ أنا عجبني حاجات على فكرة
– إيه عجبك طيب عايز أعرف؟
– بص هو منطق غريب شوية، عجبني إن مخرج عجوز بيعمل فيلم عجوز فاشل بيحاول يخليه شبة أيام مجده وبيفشل في ده، شايفة فيها حاجة شاعرية، إنه لسه بعد سنين دي مصدق نفسه
– أيوة، الفيلم اللي برة الفيلم، الشيء المرتبط بالصانع وعلاقته باللي بيطلعه، كنت بفكر في حاجة شبة دي إمبارح بعد ما اتفرجنا

حوار مع “ليلى أرمن” بعد الفيلم
-ويمكن اعتبار البوست بالكامل إلى ليلى أرمن-

(6)

لم أشاهد “قدرات غير عادية” مرة ثانية، ولا أعرف هل سأكون بحاجة لخمس سنوات أخرى كي أشعر بـ”تفهم” أكبر اتجاه داوود في صنعه أم لا. ولكن في تلك اللحظة أشعر بمحبة أكبر اتجاه الرجل، ستجعلني أكثر قدرة بالتأكيد على فهم حتى خياراته السيئة، وربما تتحول –في لحظة هشَّة أخرى- لنقطة قوة في صلتي بأفلامه.
 

عن الذهاب إلى أوسلو في الثلاثين من أغسطس

فيه شيء جميل بشأن الأفلام والكُتب، فكرة ما عن اللي تسيبه هناك وترجع تلاقيه

هَشرح، من أكتر من 10 سنين كان يوسف إدريس هو أكتر كاتب قريتله في حياتي، أقدر أدَّعي إني قريت تقريباً 90% من إرثه، اللي هو ضخم جداً، كل قصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته بالتأكيد، وكمان كتبه اللي عبارة عن مقالات مُجمَّعة، في الوقت ده كان زي ما يكون أبويا مثلاً، شغف حقيقي وفِهم للعالم –في الوقت المُبكر جداً ده- من خلاله، أشياء عديدة عن هشاشة الناس والزمن ولحظات الضعف العنيفة، أظن إن أغلب أدبه متعلّق بلحظات الضعف دي، ومن المثير للانتباه إن لو بكتب سيرته الذاتية مثلاً هركز على لحظات الضعف اللي مر بيها وكانت نقط أساسية في حياته

المهم، كبرت، وكان عالمي بالضرورة بيكبر، اللي بقراه وبشوفه وبستوعبه، وكان بقالي وقت طويل مقريتش لإدريس، وتراجع مع الزمن، بقيت حتى خايف إني أرجع أقراه فألاقيه مُختلف عن ذكرياتي عنه، لحد ما في وقت كنت بزور بيت أهلي، أعتقد في 2011، ولقيت نُسخة قديمة من بتوع مكتبة مصر لمجموعة “حادثة شرف”، فتحتها.. وقريت القصة اللي شايلة اسم المجموعة وقصة تانية طويلة اسمها “سره الباتع”، كانت كتابة وحكايات عظيمة، فاكر قد إيه الليلة دي كانت لحظة كبيرة، كنت بحتفي إن ما تركته عند الراجل رجعت بعد سنين لقيته

بحس ده في الأفلام، إزاي لما بنكبر ونتغيَّر ممكن اللي كان بيجذبنا في فيلم قبل كده منبقاش حاسينه دلوقتي، عشان كده لما بفكر مثلاً في كلمة “فيلم مُفضل” أقرب حاجة بتيجي لذهني فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا”، لإنه أكتر فيلم شفته في مراحل مختلفة في حياتي، وشايل فيه تفاصيل ولحظات وجمل وحركات كاميرا، وكل مرة برجع كل حاجة بتكون مكانها

آخر مرة شُفت فيلم “الحرّيف” كنت حاسس بكده، إن بقالي سنين مشفتوش، بس كل “لحظات الفيلم المُقدسة” كانت هنا، وهي لحظات عابرة جداً، لما فارس بيطلّع الجنيهات القليلة عشان يدّيها لكابتن مورو، الطريقة اللي بيرمي بيها الفلوس قدام الناس بتوع بورسعيد، شدّة القفص لما راح يزور أبوه، جملة “مببيعش إلا أجنبي يا فارس”، بصته في المرايا على مورو لما بيوصله آخر الفيلم، هزة راسه وضحكة “لا حول ولا قوة إلا بالله” لما قريبه بيعدي مع عزيزة، “مفيش إلا حريف واحد يا أبو رجل خشب”، كل التفاصيل الصغيرة والذكريات المتناثرة جوا الأفلام

أول إمبارح كانت لحظة مثالية عن “اللي بنسيبه جوا الأفلام”، كان عرض “أوسلو 31 أغسطس” في أضف

فاكر كويس مشاهدة الفيلم في 2012، مرة في السينما، ومرة لاحقة مع هبة، إني من وقتها بعتقد إن ده من أقرب الأفلام ليَّ، إنه عن مُحاولة نجاة مَقْضِي عليها بالفشل، إني كنت وقتها بكتب فيلم عن الانتحار.. وانقطاع الأمل.. ولما شُفت “أوسلو” حسيت إني مش عايز أكتبه عشان خلاص، ده الشيء اللي كنت بكتب عشان أحاول أفهمه

من وقتها مشفتش الفيلم على بعضه، لحد يوم التلات، كنت مستغرب إزاي تفاصيل في الفيلم مختلفة عن صورتها في ذاكرتي.. وفي نفس الوقت مُندهش من قد إيه كل حاجة في مكانها

في ذاكرتي، مثلاً، إن أندرش بيقعد في كافيه، وبنسمع صوت الناس، وبنشوف آوت أوف فوكس، ثم بيحصل قطع حاد عليه في كافيه داخلي قاعد لوحده
في الفيلم، المشهد بيكون أطول وأعظم من كده، أندرش قاعد، بنسمع صوت الناس، بنشوف استراقه النظر ليهم، كل واحد بيتكلم عن حاجة، عن حيواتهم الممتلئة، ثم –وفي تفصيلة عظيمة- بيبص على ناس بتتحرك في الشارع.. بنت جميلة فشخ وشكل جسمها متناسق.. بيتخيّل إنها بتمشي.. بتروح الجيم.. بتتمرن.. وتروح السوبر ماركت تشتري أكل.. وترجع البيت.. وتكون (وحيدة)، ولد شكله كويس.. بيتخيّل إنه ماشي لحد ما بيوصل لحديقة وبيقعد (وحيد)، تصورات أندرش عن حزن الناس.. وإن مفيش مَهْرب منه

في ذاكرتي مشهد مقابلة العمل أطول وأقل عظمة من كده، وإن مشهد الصديق القديم أقصر وأكثر عظيمة من كده، وإني مكنتش فاكر أصلاً ناريشن الحديث عن الأهل ولما شفته كان من أجمل الأصوات الخارجية اللي سمعتها في الأفلام

ثم فيه الحاجات اللي كانت زي ما هي، مُفتتح الحديث عن أوسلو، الحزن المتراكم في كل دقيقة في الفيلم، انقطاعات الأمل البطيئة، والقرار الشخصي بعدم الاستسلام لإغواءات الأمل، لأنه قد اكتفى، لحظة الأخت، ولحظة الحديث مع الحبيبة كتمسُّك أخير بكل شيء، كيف خذلته الحياة يوم الثلاثين من أغسطس وكيف خذلها؟ جملة أندرس الممتلئة فعلاً بالخيبة “لأ مش حقيقي، هتقضي ألف ليلة زي دي ومش هتفتكري حتى اللي حصل، كل حاجة هتتنسي”.. فتسأل “كل حاجة؟” ويُجِيب “كل حاجة”

وقبل كل شيء هناك الجملة اللي كنت ناسيها ولما فجأة لقيتها قدامي افتكرت قد إيه كانت بليغة وقادرة توصف حاجات كتير.. وإني لوقت طويل جداً كنت بفتكر الثورة بيها.. وبعد يومين من إعادة الفرجة كل شوية بفتكرها وأرددها:

“كان الجميع موقناً من الفوز.. أتذكر مدى خيبة الأمل”

.
.

تاريخ المُشاهدة: 15 ديسمبر