في لحظة هشّة من الزمن أحسست بالمحبة ناحية داوود


لم أحب داوود عبدالسيد كثيراً في أي وقت، لم يسبق له أن كان مخرجاً مُفضّلاً

له لحظاته بالطبع، منذ وقت قريب كنت أخبر شخصاً أن هناك مشاهد مُعيّنة وقليلة في الأفلام تتجاوز كونها “حدثاً” وتصبح بالنسبة لي كأنها “شعور”، شيء أستدعيه حين “أشعر” بشيءٍ مُعين، وأجد بلاغة أو مؤانسة فيما “أشعره” بما يوجد في تلك المشاهد.. وليس بكلماتٍ كـ”الحزن” أو “الهزيمة” أو “الأسى” مثلاً.

من أكثر “لحظات الأفلام التي تتحول إلى شعور” بالنسبة لي في فيلم “الكيت كات”، “كُنت فين انتَ يا عم مجاهِد”، في لحظتين أو ثلاثة في حياتي كان ما أشعره تحديداً “كنت فين انتَ يا عم مجاهد”، خليط من المعاتبة القوية مع بعض الزّعل وبعض استحقاق التقدير أو التفهُّم، “كنت فين لما حصل كذا وكذا وكذا”.. “انتَ متعرفش، وأنا آسف لو الأمور ساءت، بس انتَ مكنتش هنا عشان تفهم”.

هذا المشهد يعني لي الكثير، والفيلم كذلك، مع بعض لحظات “الصعاليك”، أشياء مُعينة في “أرض الخوف”، ربما “أرض الأحلام”. وخلاف ذلك لا يوجد الكثير ناحية داوود.

(2)

في 2010 حين شاهدت “رسائل البحر” للمرة الأولى  كان هناك تأكيداً على الفجوة بيني وبين هذا الرجل. وما تبقى في ذاكرتي كان كله مدعاة للسخرية، النوستالجيا العجوزة ناحية المدينة الكوزموبوليتانية، رمزية التفاح وحكايات الأنبياء التي يكررها، محادثة عبيطة للبحر عن “ظلم ده ولا فوضى”، افتعالية في طريقة تسيير الحكاية، الفراشات التي تظهر في مشاهد الختام، الناريشن المزعج والشارح جداً، وتفاصيل أخرى كثيرة، كنت أكره الفيلم فعلاً، حتى شاهدته ثانية قبل وقت قريب، في لحظة هشة من الزمن، ومن حينها أحاول فهم ما حدث، ولماذا شعرت بشيءٍ ما ناحيته، وشيء قوي فعلاً من التعاطف ناحية داوود.

(3)

حدث الأمر بعد مشاهدة “قدرات غير عادية”، كانت مشاهدة كارثية، لا يوجد مبرر أو شيء منطقي لفيلمٍ بهذا الضعف لمخرج هو في أقل الأحوال صنع شيئاً فريداً كـ”الكيت كات”.

 وأنا أحاول أن أفهم، فعلاً، أكثر شيء يمكن أن أصف نفسي به خلال السنوات الأخيرة في حياتي هو محاولة الفهم، وبالتالي التفهُّم، للناس.. للأشياء.. للأحداث أو المواقف العابرة، وطالما فهمت سأكون مرتاحاً، وأكثر قدرة لاحقاً على المسامحة أو التقبُّل أو الإعتذار أو الأسف. تمرينات دائمة ومتتالية على كيف يكون المرء أعمى ويحاول أن يرى، حتى لو لم يغير ذلك شيئاً في واقع الأمور.

لذلك كنت أريد أن أفهم، هذا شيء يختلف عما كنته قبل 5 سنوات، لأن الزمن شيء مهم، قبل 5 سنوات اكتفيت بالكراهية ناحية رسائل البحر، الآن أردت فهم ماذا أراد داوود من “قدرات غير عادية”؟ وباستثناء هواجسه المعتادة.. عن السلطة تحديداً (كمجتمع.. ونظام.. ودين).. ما هو الشيء الحقيقي الموصول به في الفيلم؟

كمحاولة للفهم.. قررت مشاهدة “رسائل البحر” دون طَمع كبير في إجابات.

(4)

كانت لحظة المشاهدة “هشة” لأن قلبي كان مفتوحاً حينها لضعفِ الغير. وأريد هنا التأكيد على ملحوظة بديهية وقديمة عن أن “تلقي الفنون” هو أمر مُراوغ، لأن لحظة الاستقبال وأجزاء القلب والعقل المستعدة للتفاعل ستكون مختلفة في كل مرة. وأنا كنت في لحظة هشة وبقلبٍ مفتوح تماماً.

بدا لي أن اختصار كل شيء هو في إحدى جمل الفيلم: “أنا بتهته وأنا بتكلم مع الناس، بس مبتهتهش وأنا بتكلم مع نفسي. بس أنا مش عايز أتكلم مع نفسي، أنا عايز أتكلم مع الناس”.

كنت أفكر، وقت إعادة مشاهدة الفيلم، وفي الأسبوعين التاليين وصولاً لهذا الكلام، أن هذا لسان داوود. ليس تعبيراً عن شخصية ولا موقف درامي، ولكنه اختصار شعوره الشخصي اتجاه العالم في تلك اللحظة، أنه “يريد أن يتكلم مع الناس”.

في كل المرات التي شاهدت فيها داوود يتحدث شعرت أنه رجل لا يستطيع التحدث بكلامٍ مفهوم. ليس بليغ كيسري ولا راغباً في سرد حواديت كخان، داوود يتهته –بشكلٍ أو بآخر- وهو يتحدث مع الناس، وهو يصنع أفلام، تحديداً رسائل البحر، لأنه يريد التحدث معهم. وأنا شعرت بالتعاطف والضعف والمحبة اتجاه تلك النظرة للفيلم.. حتى مشاكله الواضحة والمتبقية.. كشروح الناريشن مثلاً أو تفسير كل شيء بشكل مباشر والتكرار عليه.. وجدت نفسي متفهماً لذلك في سياق أن الرجل يريد “التواصل” يريد أن “يفهمه الناس” ويريد أن يحكي لهم عما يفكر فيه.. فيزيد في الشرح بحثاً عن تلك الصلة. حتى الأسى الساذج اتجاه “تغير المدينة” وأن صاحب السوبر ماركت يريد هدم البيت القديم لبناء مول.. وجدت هذا الأسى صادق جداً لأن رجلاً عجوزاً في السبعين من عمره يشعر فعلاً بهذا القدر من الغربة والأسى لأن عوالمه المعتادة تتغير وتزداد قسوة ويرغب أن يبيح بذلك إلى الناس لأنه “يريد التكلُّم معهم”.

من ذلك الحين، وطوال أسبوعين، وأنا أحاول استيعاب لماذا أشعر فعلاً بالمحبة والتعاطف اتجاه داوود، واتجاه فيلم لازال به كم عظيم من المشاكل الواضحة. وبدأت الكتابة وأنا أبحث عن إجابة، وربما وصلت.

(5)

– إيه رأيك في الفيلم؟ أنا عجبني حاجات على فكرة
– إيه عجبك طيب عايز أعرف؟
– بص هو منطق غريب شوية، عجبني إن مخرج عجوز بيعمل فيلم عجوز فاشل بيحاول يخليه شبة أيام مجده وبيفشل في ده، شايفة فيها حاجة شاعرية، إنه لسه بعد سنين دي مصدق نفسه
– أيوة، الفيلم اللي برة الفيلم، الشيء المرتبط بالصانع وعلاقته باللي بيطلعه، كنت بفكر في حاجة شبة دي إمبارح بعد ما اتفرجنا

حوار مع “ليلى أرمن” بعد الفيلم
-ويمكن اعتبار البوست بالكامل إلى ليلى أرمن-

(6)

لم أشاهد “قدرات غير عادية” مرة ثانية، ولا أعرف هل سأكون بحاجة لخمس سنوات أخرى كي أشعر بـ”تفهم” أكبر اتجاه داوود في صنعه أم لا. ولكن في تلك اللحظة أشعر بمحبة أكبر اتجاه الرجل، ستجعلني أكثر قدرة بالتأكيد على فهم حتى خياراته السيئة، وربما تتحول –في لحظة هشَّة أخرى- لنقطة قوة في صلتي بأفلامه.
 

Advertisements

Mistress America

vlcsnap-2015-12-25-17h01m31s249

“I’ve spent my whole life chasing after things and knocking at doors and I’m tired of running towards people, I want to be the place that people come to, I want to make a home for all the knockers and runners”

مفيش حد بيعمل أفلام بالتون ده والتفهّم ده والحزن ده زي نواه بومباك

.
.

تاريخ الُفرجة: 22 ديسمبر

حرب النجوم.. إعادة المشاهدة

الجزء الأول (الحلقة الرابعة) “A New Hope” (1977)

عندي شيء عاطفي جداً ناحية الجزء ده، على الرغم من إن قصته بسيطة جداً، وأحياناً طفولية، بس الشيء العاطفي ده نابع من السينما نفسها وإزاي بتأثر في بعض، تأثر جورج لوكاس بأفلام أكيرا كوراساوا عن الساموراي، للدرجة اللي ، تخلّيه يعمل فيلمه بالكامل كمحاكاة ليها، محبته لسيرجيو ليوني وديفيد لين وجون فورد، وتحياته المتناثرة طول الوقت وتلمُّسها بوضوح. هل فيه فن تاني كان قادر على استيعاب أعمال الناس في بعض زي السينما؟ خصوصاً في زمن قريب زي حدود 20 أو 30 سنة؟

الشيء التاني العاطفي بشأن الفيلم ده هو إزاي اتعمل، ومقدار ثوريته بالنسبة لوقته، وإني قادر أتلمّس على الرغم من فارق الزمن والمكان قد إيه تأثيره كان عظيم في الثقافة الأمريكية وقتها، كاريزما الشخصيات والأحداث والحديث –الطفولي الصادق ده- عن “القوة الخفية والداخلية”.

عشان كده بحب الجزء ده جداً، على الرغم من إنه بسيط فعلاً.


الجزء التاني (الحلقة الخامسة) “The Empire Strikes Back” (1980)

الرحلة هنا أكثر سوداوية وعمقاً، غالباً الأفلام اللي بتحكي عن الهزيمة هي أفلام أصدق من اللي بتحكي عن الانتصار.

فيه شيء مهم كنت لاقطه وأنا بتفرَّج المرة دي، وهو إنه أولاً وأخيراً فيلم عن “الصداقة”، وإزاي المرة الوحيدة طول السلسلة اللي “جيداي” بيعمل عكس أوامر مُعلمه وبيكون على صواب.. هي المرة اللي “لوك سكاي-ووكر” بيرفض طلب “يودا” و”أوبي وان كانوبي” بالبقاء وإكمال تدريبه.. في مقابل رغبته للذهاب للإمبراطورية وإنقاذ هان سولو وليا.

ثم في تتابعات النهاية بتكون اللحظات الأكثر كلاسيكية في الملحمة، الصدام اللي ما بين دارث فيدر ولوك، ولحظة الكشف الرهيبة.. I’m Your Father، والمفاوضة ما بين القوة المطلقة للجانب المظلم.. وبين صوتك الداخلي وأصدقاءك وكل ما عشت لأجله.


الجزء الثالث (الحلقة السادسة – 1983) “Return of the Jedi” 

الموضوع هنا بيقلب محمود شكوكو خالص. ذكرياتي عن الجزء ده إنه “أقل من الجزئين اللي فاتوا بس مش وحش” بس في المشاهدة دي اتغيرت لإنه “وحش فعلاً مع لحظات قليلة كويسة”. من أكتر الأفلام اللي شفتها في حياتي اللي بتخون روح أجزاءها الأولى لأجل اللا شيء! جورج لوكاس والمخرج العبيط اللي كان معاه في الفيلم ده كان عندهم انبهار شديد بفكرة (المخلوقات الفضائية) والأشكال الغريبة، فامتلأ الفيلم بيها بشكل برة الحكاية تماماً. خصوصاً أول 40 دقيقة بتوع إنقاذ هان سولو –من أسخف ما شاهدت في حياتي!- وحتى تتابعات الغابة بعدها، والتهريج المتعمد المبالغ فيه والنهاية الاحتفالية والمجرة كلها بترقص! كل شيء ضعيف جداً.. باستثناء لحظات ظهور دارث فيدر.. والمشهد الطويل بينه وبين “لوك” ثم بينهم وبين الإمبراطور.. عن الشيء الخير اللي مازال موجود فيه ولحظة الختام –المؤثرة فعلاً- لـLet me look on you with my own eyes

الجزء الرابع (الحلقة الأولى – 1999) “The Phantom Menace”

ملناش دعوة!

أنا بس مش متخيل لو كنت سنة 99 من الناس اللي مستنية الفيلم كان قد إيه هيكون حجم إحباطي! وفي المشاهدة دي أنا فعلاً مش عارف الفيلم بيحكي عن إيه أصلاً! أكتر شيء غبي إنك تبدأ من نقطة قد كده بعيدة عن الحكاية الأصلية في الثلاثية، وبمعزل عن الشخصيات اللي الناس في الحقيقة ارتبطت بيهم. فيلم ممل وضعيف ومراهق جداً، كإنه ما صدق يبقى معاه فلوس وإمكانيات فدلدق مؤثرات خاصة.

الجزء الخامس (الحلقة التانية- 2002) Attack Of the Clones

أفضل بكتير من الجزء اللي فات، ومقارب أو أحسن قليلاً في رأيي من “عودة الجيداي”

الشيء الأساسي إن الحكاية بقت أكثر صِلة بأحداث الثلاثية الأصلية، مع وجود شرير قوي وكاريزماتيك زي الكونت دوكو –الممثل كريستوفر لي بتاع ملك الخواتم-، والأهم إننا بنرتبط هنا من جديد ولأول مرة بمصائر الشخصيات، العلاقة بين “أناكين وباديم”، والشيء ده من الكِبْر والغضب الملموس في شخصية “أناكين” –بقدر يليق لحد هيبقى بعد كده دارث فيدر-، حتى أداء إيوان مكريجور لشخصية أوبي وان كانوبي اتحسن كتير وبقى على صلة قوية بالشخصية اللي كانت أخاذة في الثلاثية الأصلية بأداء أليك جينيس.

الجزء السادس (الحلقة الثالثة – 2005) Revenge Of The Sith

فيلم عظيم!

أنا ممكن أدَّعي إن كتابة البوست ده كاملاً وتدوين تجربة إعادة المشاهدة من أجل الوصول لهنا والقول إن ده فيلم عظيم!

لما شفت الفيلم أول مرة من قرابة 9 سنين على الأغلب مكنتش شفت الثلاثية القديمة، كان فيلم كويس، بس عمري ما تلمّست جوانب العظمة دي فيه، بس في المشاهدة دي، بعد أيام من حرب النجوم.. أنا سقَّفت فعلاً لما آخر مشهد من الفيلم خلص إمبارح بالليل! عشان قيمته في ذاته بس الأهم يمكن علاقته بأحداث لاحقة عليه شفناها في الثلاثية الأولى.

متابعة قريبة وبناء نفسي عظيم لشخصية “أناكين” وكيفية تحوله لـ”دارث فيدر”، الفيلم استفاد جداً من معرفتنا بمصير بطله من البداية، فبقينا بنترقب -بأسف- مآل الأمور، السؤال هو “كيف سيحدث” مش “ماذا سيحدث”، ده خلق تفاعل مختلف بين المتفرج والحكاية، كإن في كل مشهد بتبقى عايز تمنع الحدث اللي بيأدي للأمر المحتوم، وبتتابع بأسى لإنك عارف في النهاية إيه المصير.

فيلم سوداوي وحزين جداً، مع كتابة ناضحة من جورج لوكاس، وتأثرات بديعة بفاوست وماكبث أَثْرِت عُمق الحكاية (القدر) و(المصائر الدائرية) اللي بتكتمل لما تكون معرفتك باللي هيحصل هي السبب في إنه يحصل.

“You were the chosen one, It was said that you would destroy the Sith, not join them, Bring balance to the Force not leave it in darkness,
لقد كُنت أخي يا أناكين.. لقد أحببتك”

.
.

إعادة المشاهدة (الجمعة 18 ديسمبر – الإتنين 21 ديسمبر)

عن الذهاب إلى أوسلو في الثلاثين من أغسطس

فيه شيء جميل بشأن الأفلام والكُتب، فكرة ما عن اللي تسيبه هناك وترجع تلاقيه

هَشرح، من أكتر من 10 سنين كان يوسف إدريس هو أكتر كاتب قريتله في حياتي، أقدر أدَّعي إني قريت تقريباً 90% من إرثه، اللي هو ضخم جداً، كل قصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته بالتأكيد، وكمان كتبه اللي عبارة عن مقالات مُجمَّعة، في الوقت ده كان زي ما يكون أبويا مثلاً، شغف حقيقي وفِهم للعالم –في الوقت المُبكر جداً ده- من خلاله، أشياء عديدة عن هشاشة الناس والزمن ولحظات الضعف العنيفة، أظن إن أغلب أدبه متعلّق بلحظات الضعف دي، ومن المثير للانتباه إن لو بكتب سيرته الذاتية مثلاً هركز على لحظات الضعف اللي مر بيها وكانت نقط أساسية في حياته

المهم، كبرت، وكان عالمي بالضرورة بيكبر، اللي بقراه وبشوفه وبستوعبه، وكان بقالي وقت طويل مقريتش لإدريس، وتراجع مع الزمن، بقيت حتى خايف إني أرجع أقراه فألاقيه مُختلف عن ذكرياتي عنه، لحد ما في وقت كنت بزور بيت أهلي، أعتقد في 2011، ولقيت نُسخة قديمة من بتوع مكتبة مصر لمجموعة “حادثة شرف”، فتحتها.. وقريت القصة اللي شايلة اسم المجموعة وقصة تانية طويلة اسمها “سره الباتع”، كانت كتابة وحكايات عظيمة، فاكر قد إيه الليلة دي كانت لحظة كبيرة، كنت بحتفي إن ما تركته عند الراجل رجعت بعد سنين لقيته

بحس ده في الأفلام، إزاي لما بنكبر ونتغيَّر ممكن اللي كان بيجذبنا في فيلم قبل كده منبقاش حاسينه دلوقتي، عشان كده لما بفكر مثلاً في كلمة “فيلم مُفضل” أقرب حاجة بتيجي لذهني فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا”، لإنه أكتر فيلم شفته في مراحل مختلفة في حياتي، وشايل فيه تفاصيل ولحظات وجمل وحركات كاميرا، وكل مرة برجع كل حاجة بتكون مكانها

آخر مرة شُفت فيلم “الحرّيف” كنت حاسس بكده، إن بقالي سنين مشفتوش، بس كل “لحظات الفيلم المُقدسة” كانت هنا، وهي لحظات عابرة جداً، لما فارس بيطلّع الجنيهات القليلة عشان يدّيها لكابتن مورو، الطريقة اللي بيرمي بيها الفلوس قدام الناس بتوع بورسعيد، شدّة القفص لما راح يزور أبوه، جملة “مببيعش إلا أجنبي يا فارس”، بصته في المرايا على مورو لما بيوصله آخر الفيلم، هزة راسه وضحكة “لا حول ولا قوة إلا بالله” لما قريبه بيعدي مع عزيزة، “مفيش إلا حريف واحد يا أبو رجل خشب”، كل التفاصيل الصغيرة والذكريات المتناثرة جوا الأفلام

أول إمبارح كانت لحظة مثالية عن “اللي بنسيبه جوا الأفلام”، كان عرض “أوسلو 31 أغسطس” في أضف

فاكر كويس مشاهدة الفيلم في 2012، مرة في السينما، ومرة لاحقة مع هبة، إني من وقتها بعتقد إن ده من أقرب الأفلام ليَّ، إنه عن مُحاولة نجاة مَقْضِي عليها بالفشل، إني كنت وقتها بكتب فيلم عن الانتحار.. وانقطاع الأمل.. ولما شُفت “أوسلو” حسيت إني مش عايز أكتبه عشان خلاص، ده الشيء اللي كنت بكتب عشان أحاول أفهمه

من وقتها مشفتش الفيلم على بعضه، لحد يوم التلات، كنت مستغرب إزاي تفاصيل في الفيلم مختلفة عن صورتها في ذاكرتي.. وفي نفس الوقت مُندهش من قد إيه كل حاجة في مكانها

في ذاكرتي، مثلاً، إن أندرش بيقعد في كافيه، وبنسمع صوت الناس، وبنشوف آوت أوف فوكس، ثم بيحصل قطع حاد عليه في كافيه داخلي قاعد لوحده
في الفيلم، المشهد بيكون أطول وأعظم من كده، أندرش قاعد، بنسمع صوت الناس، بنشوف استراقه النظر ليهم، كل واحد بيتكلم عن حاجة، عن حيواتهم الممتلئة، ثم –وفي تفصيلة عظيمة- بيبص على ناس بتتحرك في الشارع.. بنت جميلة فشخ وشكل جسمها متناسق.. بيتخيّل إنها بتمشي.. بتروح الجيم.. بتتمرن.. وتروح السوبر ماركت تشتري أكل.. وترجع البيت.. وتكون (وحيدة)، ولد شكله كويس.. بيتخيّل إنه ماشي لحد ما بيوصل لحديقة وبيقعد (وحيد)، تصورات أندرش عن حزن الناس.. وإن مفيش مَهْرب منه

في ذاكرتي مشهد مقابلة العمل أطول وأقل عظمة من كده، وإن مشهد الصديق القديم أقصر وأكثر عظيمة من كده، وإني مكنتش فاكر أصلاً ناريشن الحديث عن الأهل ولما شفته كان من أجمل الأصوات الخارجية اللي سمعتها في الأفلام

ثم فيه الحاجات اللي كانت زي ما هي، مُفتتح الحديث عن أوسلو، الحزن المتراكم في كل دقيقة في الفيلم، انقطاعات الأمل البطيئة، والقرار الشخصي بعدم الاستسلام لإغواءات الأمل، لأنه قد اكتفى، لحظة الأخت، ولحظة الحديث مع الحبيبة كتمسُّك أخير بكل شيء، كيف خذلته الحياة يوم الثلاثين من أغسطس وكيف خذلها؟ جملة أندرس الممتلئة فعلاً بالخيبة “لأ مش حقيقي، هتقضي ألف ليلة زي دي ومش هتفتكري حتى اللي حصل، كل حاجة هتتنسي”.. فتسأل “كل حاجة؟” ويُجِيب “كل حاجة”

وقبل كل شيء هناك الجملة اللي كنت ناسيها ولما فجأة لقيتها قدامي افتكرت قد إيه كانت بليغة وقادرة توصف حاجات كتير.. وإني لوقت طويل جداً كنت بفتكر الثورة بيها.. وبعد يومين من إعادة الفرجة كل شوية بفتكرها وأرددها:

“كان الجميع موقناً من الفوز.. أتذكر مدى خيبة الأمل”

.
.

تاريخ المُشاهدة: 15 ديسمبر

45 سنة

أنا بخاف جداً من الزمن، لدرجة إني بقول الجملة دي كتير بنفس الصيغة

كريس ماركر في فيلم “سان سولي” كان بيقول
“We do not remember. We rewrite memory”
، دي الجملة المُفتتحة اللي كتبتها في دفتر مذكراتي الرابع، بترجمة نصف مُتقنة، “لقد أمضيت حياتي كلها محاولاً فهم آلية التذكر، وهي ليست عكس آلية النسيان، بل جوهرها الحقيقي، نحن لا نتذكر.. نحن نعيد كتابة الذكريات كما يعيد التاريخ كتابة نفسه”.

الفكرة دي مُخيفة شوية، لإن جزء من جوهرها هو عن الماضي الذي لا ينتهي، الذكريات مش شيء خِلص، الذكريات ممكن تُعيد تشكيل نفسها بفعل الحاضر، الأحباء القدامى يصبحوا مكروهين، اللحظات التي كوّنت جانباً منا تُصبح بلا قيمة، الأماكن والأوقات والروائح، كل ما يُشكل كلمة “ذكرى” هو مُعلق بهشاشة الزّمن. لا مأمن

الفيلم ده فَشخني تماماً، وهو من أكتر الأفلام اللي شفتها يمكن اللي بتلمّس على هواجسي الكبرى المرتبطة بالخوف من الزمن. حتى 45 عاماً لم تكن كافية.. أحه يعني!

.
.

تاريخ الفرجة: 2 ديسمبر 2015

حمامة جلست على غصن تتأمّل الوجود

vlcsnap-2015-11-27-17h45m52s2

vlcsnap-2015-11-27-17h50m38s31

عندي قناعة ما من ساعة ما شُفت فيلم “حمامة جلست على غصن تتأمّل الوجود”، لروي أندرسون إنتاج 2015، إنه متأثر بالرسّام الأمريكي إدوارد هوبر

في اعتقادي التأثير ليه علاقة بحاجتين، الأولى الحجم والبُعد، وده شيء وثيق الصلة برسم “هوبر” وأفلام “أندرسون” المعتمدة دايماً على لقطات ثابتة وبعيدة وبيحصل فيها حاجات كتير على مسافات مختلفة، وهو أمر مقارب لكتير من لوحات هوبر، وفي نفس السياق كمان فكرة العمل على (التأطير) بالأبواب والشبابيك وزجاجات الأماكن كسمة بصرية مرتبطة بالاتنين برضه

الحاجة التانية هي الأماكن والشخصيات نفسها، تكرار الكافيهات والأشخاص الوحيدين والعمل على تفاصيل ملابسهم وحركة رؤوسهم وإيدهم عشان توحي بأشياء أو تحمل حكاية حتى لو مش هنعرفها

أنا مش بستسيغ أوي سينما روي أندرسون، بس أعتقد إني هحبه جداً في وقت ما، فكرة العالم اللي بيدور بأبعاد مختلفة، والتفاصيل اللي ممكن تبان في مشاهدات تانية لما تبص على أماكن جوا الصورة والمشهد غير اللي بصيت عليها أول مرة.. دي حاجات بتخليني متحمس للراجل على اعتبار ما سيكون

.
.

اللوحة الأولى:
Nighthawks
اللوحة التانية:
Sunlights in Cafeteria

اللقطات من فيلم: A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence

تاريخ الفرجة: 15 نوفمبر 2015

Goodnight Mommy

Goodnight Mommy Toronto Venice Film Review

أنا بحب أفلام الرعب، جداً، باعتقادي إن فيه شيء شديد السينمائية في “ستايل” و”خيال” أفلام الرعب مفيش صنف تاني بيتيحه غير أفلام النوار، وعلى المستوى النفسي فهو بيتعامل مع غرائز البشر بشكل مُختلف عن العادي

في شهر سبتمبر اللي فات كنت بحضَّر لملف ليه علاقة بسينما الرعب، أعدت فرجة على عدد كبير من الأفلام في مراحل زمنية مختلفة، وصولاً لـ”دع الشخص الصحيح يدخل”1، اللي بعتبره كلاسيكية الرعب الوحيدة اللي ظهرت في آخر 10 سنين عَ الأقل

فيلم “تصبحين على خير يا أمي” مش بينتمي في رأيي لأفلام الرعب، قد ما هو إثارة نفسية، وتعريفه كفيلم رعب هو ظالم في طريقة استقباله الحقيقة، أقرب حاجة للفيلم هو كونه خليط من مايكل هانِكه في “ألعاب مُضحكة”2 -الكثير من هانِكه الحقيقة- وستانلي كوبريك في “شانينج”3، مع اقتراب من بعيد من صنوف “رعب الأماكن المغلقة” و”الرعب القوطي” و”رعب الوحوش”، الفيلم بيقرّب جداً من كل الأصناف دي من غير ما يكون جزء منها

عجبني الفيلم جداً، ذكي بشدة، سردياً من البداية، جَرّ رجلك كمشاهد وتوريطك عاطفياً مع الطفلين في مُقابل الأم، قبل ما ، يدير الدفَّة دي تماماً في النص التاني من الأحداث، وكمان هو ذكي سينمائياً .. حِس المراقبة اللي موجود طول الوقت واستغلال التصوير والألوان -الباردة جداً ويغلب عليها الأبيض.. تماماً كما “ألعاب مضحكة”- في خلق جو غير مُريح للمشاهد، وتحويل تفاصيل (عادية) زي نظر الأم لجسدها قدام المراية لحاجة مثيرة للريبة

(الفقرات الجاية بتحرق الفيلم)
كنت بفكر قد إيه اختيار الولدين كتوأم هو شيء عظيم، عظيم عشان أغلب الوقت وفي ظل ضغط الفيلم متعرفش مين فيهم بيعمل إيه، وبالتالي هو بيمهّد كويس للحظة التويست الختامي، كنت بفكر إني مخدتش بالي عشان السبب ده، محتاج مشاهدة تانية طبعاً بس كأثر مشاهدة أولى شايفه كان كويس واختيار الولدين شال الفيلم.. سواء كفكرة أو كممثلين

اللي معجبنيش في المقابل إن فيه تفاصيل (بيئة) في نقطة خلق غرابة الأم، يعني حيل الكوابيس والتصوير ذكية، بس عنف الأم المبالغ فيه اتجاه الابن، وعجزها عن إثبات إنها أمه في أكتر من نقطة، دي الحتت اللي حسّيت فيها إن الفيلم بيلوي الموضوع شوية عشان يكمّل

بس مجملاً فيلم حلو، واللي بيحب أفلام هانِكه.. ومهتم بأفلام الرعب -حتى لو ده مش فيلم رعب- فهو فيلم مُهم جداً يتشاف

—-
1- Let the Right one In
2-Funny Games
3- The Shining

تاريخ الفُرجة: 26 نوفمبر 2015