تسأولات حول الصورة – عن تصوير الألم

هل من حقك تصوير الناس دون أذن كتابي أو شفاهي منهم؟

ربما لا في الأفلام ولكن في الفوتغرافيا لا يمكنك أن تطلب أذن الجميع لتصويرهم, فمصورين الشوارع أحيانا ما تتضمن صورهم مئات الأشخاص في أماكن مزدحمة, ولكن حتي تصوير اللقطات المقربة لأشخاص بعينهم في الشارع لا يمكن أن تطلب من كل فرد موافقته علي ذلك. عندما سئل مجموعة من مصورين الشارع حول ذلك كانت اجابة احدهم انه ينظر في عين الشخص الذي سيصورة بشكل مباشر وينتظر اجابة حول امكانية التصوير أو لا. هنا الأجابة ليست شفاهية حتي, ولكنها مجرد أشارات سيكون علي مصورين الشارع فهمها وتعلمها مع الوقت حتي لا يخسرون كاميراتهم. ولكن ماذا بخصوص تصوير القتلي؟

طالما ما تسألت حول مصورين الحروب, بالطبع لا يأخذون أذن شفاهي ولا كتابي ولكن كان السؤال إن كان تم قتل مصور بشكل مباشر من قبل في حرب. الأجابة بالطبع نعم. لا أعرف حوادث شهيرة, ولكن في السنوات الأخيرة رأينا ذلك في مراسلين قتلوا في سوريا. بل في مصور فوتغرافي قتل في مذبحة فض أعتصام رابعة العدوية.

أعتقد ان السؤال حول مدي أخلاقية التصوير قد قتلت بحثا منذ سوزان سونتاج حتي الأن, وطالما سيظل مطروح. فتلك السلطة التي تملكها الكاميرا لن تزول وسيحيا السؤال معها.

ولكني هنا أريد أن أسال سؤال أخر لا أعرف ان كان من حقي أن اسئلة أم لا, يحتوي السؤال علي درجة من العبثية, فهو سؤال فني حول تلك الصور التي تصور القتلي والمجاعات, متي يمكن وصفها بالأبتزال؟ وهل نستطيع أن نصفها بالجمال؟

أنتشرت مؤخرا بشدة تلك الصورة, وهي صورة لطفل سوري غرق أثناء محاولة هجرة لأهله عن طريق البحر. الصورة هي مجرد صورة صحفية ولا يمكن وصفها بكونها صورة فنية. ولكن هل من المهم فعلا أن تكون صورة فنية؟ هل يهم بعد صورة بتلك القسوة أي شئ أصلا؟

ليس هذا ما أريد التساؤل عليه حول تلك الصورة, ولكن السؤال حول أعادة انتاجها حتي الأبتذال مئات المرات.

فقد رسموا له أجنحها, ووضعه في صورة مع ملوك العرب وكتبوا تحتها “مات الضمير العربي” بل وضعوه في منتصف القمة العربية.

تبدو الصورة صادمة لأقسي حد. فهل تحتاج للتجويد عليها؟ هل يمكننا أخلاقيا أن نصف من أعاد أنتاجها في تلك السيقات بالمبتذل؟ ام تكون تلك مزايدة؟

دائما ما يتم أبتذال الموت خصوصا أن كانوا “شهداء”. دائما ما تجد الكلام العظيم عن الميت حتي من كارهيه ولكن الصور يسهل أبتذالها اكثر من الكلام. فكثير ما تم أبتذال الحديث عن شهداء الثورة المصرية في 25 يناير. حتي يبدو أنه لا يكفي أنهم قتلوا ضحايا لنظام من المجرمين, فلزاما أن نجد ما يجعلهم ملائكة لا يستحقون القتل, حتي يبدو أن المجرمين يجب أن تترك الحكومات تقتلهم في الشارع. ولكن بكل هذا الحديث, كان الأبتذال الأقصي بالنسبة لي هو صور الشهداء في هيئة مرشحين مجلس شعب. أنها الأقبح بالنسبة لي. سواء فكريا بخصوص أهمية مرشحين مجلس الشعب, أواخلاقيا من أستجداء العطف بصور شهداء

Antonio Masiello.jpg

.

ولكن أحيانا تكون الصورة من الصعب أعادة انتاجئها وابتذالها, وتكون الصورة علي مستوي فني عالي, ولكن هل يمكن وصف صورة كهذة بالجمال؟

تبدو الصورة كلوحات عصر النهضة, الشاب الحامل لطفل في مقدمة اللقطة, والشابة الراكعة علي سطح السفينة, وتلك النلاقي المشابهة للوحة ميكل أنجلو بين الشاب والرجل العجوز. والبحر والسماء بغيومها.

دائما ما اتسأل ان كان يمكن وصف كل هذا البؤس بالجمال؟ هل يمكن تحليل الصورة فنيا؟

بالتأكيد يمكن تحليلها فنيا فالصورة فنيا تحتمل كثير من التحليل, ولكن هل فعلا يهم ذلك؟

في أحيانا كثيرا في مثل تلك اللقطات تأتي في رأسي جملة جودار “اللقطة سؤال أخلاقي”. تبدو الجملة في الوهلة الأولي –بالنسبة لي- مثيرة للضحك, ولكن مع التفكير فيها, تجد أنها فعلا سؤال أخلاقي. حتي اللقطات في فيلم روائي بممثلين يختلقوا شخصيات أخري, فعلاقة المخرج وبالتالي الكاميرا وبالتالي المشاهد من الشخصيات, ودرجة قربه أو بعده عنها, ودرجة المشاهدة الخارجية أو الأشتباك مع الشخصيات. هي فعلا سؤال أخلاقي. فما بالك بتصوير مثل تلك اللقطات من الألم في وسط وضع هو نفسه مختلف عليه أخلاقيا, حول وضع اللاجئيين وأحقيتهم في ذلك وموقف الحكومات الأوربية من أستقبالهم.

10527680_10204093007547908_1777265792756166589_n.jpg

احيانا ما تكون الصور خادعة:

كم تبدو تلك الصورة أقرب لمعارض الفن المعاصر, كم تبدو ألوانها جميلة. الأطفال يبدو –من بعيد- كأنهم يمرحون علي الشاطئ, أينعم يبدو المبني علي الشاطئ مهدم, ولكن يظل شاطئ ويظلون أطفال. عندما وضعت الصورة وجنبها وصف للحدث بالعربية كثيرا من الأصدقاء الأجانب خصوصا الفننانين والعاملين بالتصوير والفن التجريبي والمعاصر ضغطوا علي زرار اللايك مما جعلني أكتب الحكاية بجانب الصورة بالأنجليزية, فلا أعرف كيف ستصبح وضع الصورة بالنسبة لهم أذا عرفوا ان الصورة من غزة قبل لحظات من أستشهاد عاهد عاطف بكر 10 سنوات، زكريّا عاهد بكر 10 سنوات، محمد رامز بكر 11 سنة، اسماعيل محمّد بكر 9 سنوات؟

Lynsey Addario.jpg

في بعض الأحيان تبدو بعض الصور بالنسبة لي أقوي لأنها لا يمكن أبتذالها –أو هكذا أتصور-.

الصورة بتقول كل شئ بشع عن الشخص (أ) شخص لم ينل حظه من التعليم, ولا يملك المالي الكافي ليظل في بلده ويتزوج من حبيبته, يسافر هجرة غير شرعية ويغرق في الطريق. وكل ما يملكه أن يترك رسالة مليئة بالأخطاء الأملائية علي ظهر علبة سجائر, لتكون رسالة الأخيرة لحبيبتة ولنا وللعالم.

ربما يكون تقديري للصورة هنا تقدير فني ولأني أتصور ان لا يمكن أبتذالها, وفي بعض الأحيان أري أنه معيار جيد للحكم علي صورة فوتغرافية تنقل ألم الأخرين, كم تحمل هذة الصورة من ألم عن شخص ميت وحبيبه فقدت حبيبها, دون أن نري دماء أو حتي أشخاص.

في النهاية لا يمكن التقليل من أهمية الصور الأخري مهما كانت صور صحفية وتقريرية ولا تحمل قدر فني. “فهي لن تنشئ وضع أخلاقي, ولكنها يمكن أن تساهم في إنشاء هذا الوضع” كما تقول سوزان سونتاغ. قد تكون الصور التي تري فيها أشخاص مثلك أسهل في التواصل, وتكون صورة كهذة تحتاج لقرأة متعددة المستويات, لا تدركها المصورة التي قامت بتصويرها أصلا. فالمصورة الأيطالية “لينسي أداريو” لا تدرك مثلا الأخطاء الأملائية في الرسالة كما لا تدرك فحواها من الأثاث, ولكنها تدرك أنها رسالة كتبها غريق قبل الموت علي علبة سجائر.

مثل تلك الصور تذكرني بجملة للمخرج الأمريكي كازيفيتس يقولها علي الأفلام ولكنها تصلح للصور أيضا.

“أن الأفلام هي خارطة طريق عبر أراضي التفكير والمشاعر, لتخلق طريقة لكيفية حفظ الألم”

Advertisements

المدونة

قررنا دلوقت حالا وبعد سنة ونص من ورشة النقد السينمائي وبرمجة الأفلام (كراسات السيماتيك) نطلق مدونة، قبل المجلة، مجلة ٩.٥مم، نقول فيها اللي بنقوله لنفسنا ولبعض ونكمل اللي بنعمله. أهلا يا عالم.