تسأولات حول الصورة – عن تصوير الألم

هل من حقك تصوير الناس دون أذن كتابي أو شفاهي منهم؟

ربما لا في الأفلام ولكن في الفوتغرافيا لا يمكنك أن تطلب أذن الجميع لتصويرهم, فمصورين الشوارع أحيانا ما تتضمن صورهم مئات الأشخاص في أماكن مزدحمة, ولكن حتي تصوير اللقطات المقربة لأشخاص بعينهم في الشارع لا يمكن أن تطلب من كل فرد موافقته علي ذلك. عندما سئل مجموعة من مصورين الشارع حول ذلك كانت اجابة احدهم انه ينظر في عين الشخص الذي سيصورة بشكل مباشر وينتظر اجابة حول امكانية التصوير أو لا. هنا الأجابة ليست شفاهية حتي, ولكنها مجرد أشارات سيكون علي مصورين الشارع فهمها وتعلمها مع الوقت حتي لا يخسرون كاميراتهم. ولكن ماذا بخصوص تصوير القتلي؟

طالما ما تسألت حول مصورين الحروب, بالطبع لا يأخذون أذن شفاهي ولا كتابي ولكن كان السؤال إن كان تم قتل مصور بشكل مباشر من قبل في حرب. الأجابة بالطبع نعم. لا أعرف حوادث شهيرة, ولكن في السنوات الأخيرة رأينا ذلك في مراسلين قتلوا في سوريا. بل في مصور فوتغرافي قتل في مذبحة فض أعتصام رابعة العدوية.

أعتقد ان السؤال حول مدي أخلاقية التصوير قد قتلت بحثا منذ سوزان سونتاج حتي الأن, وطالما سيظل مطروح. فتلك السلطة التي تملكها الكاميرا لن تزول وسيحيا السؤال معها.

ولكني هنا أريد أن أسال سؤال أخر لا أعرف ان كان من حقي أن اسئلة أم لا, يحتوي السؤال علي درجة من العبثية, فهو سؤال فني حول تلك الصور التي تصور القتلي والمجاعات, متي يمكن وصفها بالأبتزال؟ وهل نستطيع أن نصفها بالجمال؟

أنتشرت مؤخرا بشدة تلك الصورة, وهي صورة لطفل سوري غرق أثناء محاولة هجرة لأهله عن طريق البحر. الصورة هي مجرد صورة صحفية ولا يمكن وصفها بكونها صورة فنية. ولكن هل من المهم فعلا أن تكون صورة فنية؟ هل يهم بعد صورة بتلك القسوة أي شئ أصلا؟

ليس هذا ما أريد التساؤل عليه حول تلك الصورة, ولكن السؤال حول أعادة انتاجها حتي الأبتذال مئات المرات.

فقد رسموا له أجنحها, ووضعه في صورة مع ملوك العرب وكتبوا تحتها “مات الضمير العربي” بل وضعوه في منتصف القمة العربية.

تبدو الصورة صادمة لأقسي حد. فهل تحتاج للتجويد عليها؟ هل يمكننا أخلاقيا أن نصف من أعاد أنتاجها في تلك السيقات بالمبتذل؟ ام تكون تلك مزايدة؟

دائما ما يتم أبتذال الموت خصوصا أن كانوا “شهداء”. دائما ما تجد الكلام العظيم عن الميت حتي من كارهيه ولكن الصور يسهل أبتذالها اكثر من الكلام. فكثير ما تم أبتذال الحديث عن شهداء الثورة المصرية في 25 يناير. حتي يبدو أنه لا يكفي أنهم قتلوا ضحايا لنظام من المجرمين, فلزاما أن نجد ما يجعلهم ملائكة لا يستحقون القتل, حتي يبدو أن المجرمين يجب أن تترك الحكومات تقتلهم في الشارع. ولكن بكل هذا الحديث, كان الأبتذال الأقصي بالنسبة لي هو صور الشهداء في هيئة مرشحين مجلس شعب. أنها الأقبح بالنسبة لي. سواء فكريا بخصوص أهمية مرشحين مجلس الشعب, أواخلاقيا من أستجداء العطف بصور شهداء

Antonio Masiello.jpg

.

ولكن أحيانا تكون الصورة من الصعب أعادة انتاجئها وابتذالها, وتكون الصورة علي مستوي فني عالي, ولكن هل يمكن وصف صورة كهذة بالجمال؟

تبدو الصورة كلوحات عصر النهضة, الشاب الحامل لطفل في مقدمة اللقطة, والشابة الراكعة علي سطح السفينة, وتلك النلاقي المشابهة للوحة ميكل أنجلو بين الشاب والرجل العجوز. والبحر والسماء بغيومها.

دائما ما اتسأل ان كان يمكن وصف كل هذا البؤس بالجمال؟ هل يمكن تحليل الصورة فنيا؟

بالتأكيد يمكن تحليلها فنيا فالصورة فنيا تحتمل كثير من التحليل, ولكن هل فعلا يهم ذلك؟

في أحيانا كثيرا في مثل تلك اللقطات تأتي في رأسي جملة جودار “اللقطة سؤال أخلاقي”. تبدو الجملة في الوهلة الأولي –بالنسبة لي- مثيرة للضحك, ولكن مع التفكير فيها, تجد أنها فعلا سؤال أخلاقي. حتي اللقطات في فيلم روائي بممثلين يختلقوا شخصيات أخري, فعلاقة المخرج وبالتالي الكاميرا وبالتالي المشاهد من الشخصيات, ودرجة قربه أو بعده عنها, ودرجة المشاهدة الخارجية أو الأشتباك مع الشخصيات. هي فعلا سؤال أخلاقي. فما بالك بتصوير مثل تلك اللقطات من الألم في وسط وضع هو نفسه مختلف عليه أخلاقيا, حول وضع اللاجئيين وأحقيتهم في ذلك وموقف الحكومات الأوربية من أستقبالهم.

10527680_10204093007547908_1777265792756166589_n.jpg

احيانا ما تكون الصور خادعة:

كم تبدو تلك الصورة أقرب لمعارض الفن المعاصر, كم تبدو ألوانها جميلة. الأطفال يبدو –من بعيد- كأنهم يمرحون علي الشاطئ, أينعم يبدو المبني علي الشاطئ مهدم, ولكن يظل شاطئ ويظلون أطفال. عندما وضعت الصورة وجنبها وصف للحدث بالعربية كثيرا من الأصدقاء الأجانب خصوصا الفننانين والعاملين بالتصوير والفن التجريبي والمعاصر ضغطوا علي زرار اللايك مما جعلني أكتب الحكاية بجانب الصورة بالأنجليزية, فلا أعرف كيف ستصبح وضع الصورة بالنسبة لهم أذا عرفوا ان الصورة من غزة قبل لحظات من أستشهاد عاهد عاطف بكر 10 سنوات، زكريّا عاهد بكر 10 سنوات، محمد رامز بكر 11 سنة، اسماعيل محمّد بكر 9 سنوات؟

Lynsey Addario.jpg

في بعض الأحيان تبدو بعض الصور بالنسبة لي أقوي لأنها لا يمكن أبتذالها –أو هكذا أتصور-.

الصورة بتقول كل شئ بشع عن الشخص (أ) شخص لم ينل حظه من التعليم, ولا يملك المالي الكافي ليظل في بلده ويتزوج من حبيبته, يسافر هجرة غير شرعية ويغرق في الطريق. وكل ما يملكه أن يترك رسالة مليئة بالأخطاء الأملائية علي ظهر علبة سجائر, لتكون رسالة الأخيرة لحبيبتة ولنا وللعالم.

ربما يكون تقديري للصورة هنا تقدير فني ولأني أتصور ان لا يمكن أبتذالها, وفي بعض الأحيان أري أنه معيار جيد للحكم علي صورة فوتغرافية تنقل ألم الأخرين, كم تحمل هذة الصورة من ألم عن شخص ميت وحبيبه فقدت حبيبها, دون أن نري دماء أو حتي أشخاص.

في النهاية لا يمكن التقليل من أهمية الصور الأخري مهما كانت صور صحفية وتقريرية ولا تحمل قدر فني. “فهي لن تنشئ وضع أخلاقي, ولكنها يمكن أن تساهم في إنشاء هذا الوضع” كما تقول سوزان سونتاغ. قد تكون الصور التي تري فيها أشخاص مثلك أسهل في التواصل, وتكون صورة كهذة تحتاج لقرأة متعددة المستويات, لا تدركها المصورة التي قامت بتصويرها أصلا. فالمصورة الأيطالية “لينسي أداريو” لا تدرك مثلا الأخطاء الأملائية في الرسالة كما لا تدرك فحواها من الأثاث, ولكنها تدرك أنها رسالة كتبها غريق قبل الموت علي علبة سجائر.

مثل تلك الصور تذكرني بجملة للمخرج الأمريكي كازيفيتس يقولها علي الأفلام ولكنها تصلح للصور أيضا.

“أن الأفلام هي خارطة طريق عبر أراضي التفكير والمشاعر, لتخلق طريقة لكيفية حفظ الألم”

Mistress America

vlcsnap-2015-12-25-17h01m31s249

“I’ve spent my whole life chasing after things and knocking at doors and I’m tired of running towards people, I want to be the place that people come to, I want to make a home for all the knockers and runners”

مفيش حد بيعمل أفلام بالتون ده والتفهّم ده والحزن ده زي نواه بومباك

.
.

تاريخ الُفرجة: 22 ديسمبر

حرب النجوم.. إعادة المشاهدة

الجزء الأول (الحلقة الرابعة) “A New Hope” (1977)

عندي شيء عاطفي جداً ناحية الجزء ده، على الرغم من إن قصته بسيطة جداً، وأحياناً طفولية، بس الشيء العاطفي ده نابع من السينما نفسها وإزاي بتأثر في بعض، تأثر جورج لوكاس بأفلام أكيرا كوراساوا عن الساموراي، للدرجة اللي ، تخلّيه يعمل فيلمه بالكامل كمحاكاة ليها، محبته لسيرجيو ليوني وديفيد لين وجون فورد، وتحياته المتناثرة طول الوقت وتلمُّسها بوضوح. هل فيه فن تاني كان قادر على استيعاب أعمال الناس في بعض زي السينما؟ خصوصاً في زمن قريب زي حدود 20 أو 30 سنة؟

الشيء التاني العاطفي بشأن الفيلم ده هو إزاي اتعمل، ومقدار ثوريته بالنسبة لوقته، وإني قادر أتلمّس على الرغم من فارق الزمن والمكان قد إيه تأثيره كان عظيم في الثقافة الأمريكية وقتها، كاريزما الشخصيات والأحداث والحديث –الطفولي الصادق ده- عن “القوة الخفية والداخلية”.

عشان كده بحب الجزء ده جداً، على الرغم من إنه بسيط فعلاً.


الجزء التاني (الحلقة الخامسة) “The Empire Strikes Back” (1980)

الرحلة هنا أكثر سوداوية وعمقاً، غالباً الأفلام اللي بتحكي عن الهزيمة هي أفلام أصدق من اللي بتحكي عن الانتصار.

فيه شيء مهم كنت لاقطه وأنا بتفرَّج المرة دي، وهو إنه أولاً وأخيراً فيلم عن “الصداقة”، وإزاي المرة الوحيدة طول السلسلة اللي “جيداي” بيعمل عكس أوامر مُعلمه وبيكون على صواب.. هي المرة اللي “لوك سكاي-ووكر” بيرفض طلب “يودا” و”أوبي وان كانوبي” بالبقاء وإكمال تدريبه.. في مقابل رغبته للذهاب للإمبراطورية وإنقاذ هان سولو وليا.

ثم في تتابعات النهاية بتكون اللحظات الأكثر كلاسيكية في الملحمة، الصدام اللي ما بين دارث فيدر ولوك، ولحظة الكشف الرهيبة.. I’m Your Father، والمفاوضة ما بين القوة المطلقة للجانب المظلم.. وبين صوتك الداخلي وأصدقاءك وكل ما عشت لأجله.


الجزء الثالث (الحلقة السادسة – 1983) “Return of the Jedi” 

الموضوع هنا بيقلب محمود شكوكو خالص. ذكرياتي عن الجزء ده إنه “أقل من الجزئين اللي فاتوا بس مش وحش” بس في المشاهدة دي اتغيرت لإنه “وحش فعلاً مع لحظات قليلة كويسة”. من أكتر الأفلام اللي شفتها في حياتي اللي بتخون روح أجزاءها الأولى لأجل اللا شيء! جورج لوكاس والمخرج العبيط اللي كان معاه في الفيلم ده كان عندهم انبهار شديد بفكرة (المخلوقات الفضائية) والأشكال الغريبة، فامتلأ الفيلم بيها بشكل برة الحكاية تماماً. خصوصاً أول 40 دقيقة بتوع إنقاذ هان سولو –من أسخف ما شاهدت في حياتي!- وحتى تتابعات الغابة بعدها، والتهريج المتعمد المبالغ فيه والنهاية الاحتفالية والمجرة كلها بترقص! كل شيء ضعيف جداً.. باستثناء لحظات ظهور دارث فيدر.. والمشهد الطويل بينه وبين “لوك” ثم بينهم وبين الإمبراطور.. عن الشيء الخير اللي مازال موجود فيه ولحظة الختام –المؤثرة فعلاً- لـLet me look on you with my own eyes

الجزء الرابع (الحلقة الأولى – 1999) “The Phantom Menace”

ملناش دعوة!

أنا بس مش متخيل لو كنت سنة 99 من الناس اللي مستنية الفيلم كان قد إيه هيكون حجم إحباطي! وفي المشاهدة دي أنا فعلاً مش عارف الفيلم بيحكي عن إيه أصلاً! أكتر شيء غبي إنك تبدأ من نقطة قد كده بعيدة عن الحكاية الأصلية في الثلاثية، وبمعزل عن الشخصيات اللي الناس في الحقيقة ارتبطت بيهم. فيلم ممل وضعيف ومراهق جداً، كإنه ما صدق يبقى معاه فلوس وإمكانيات فدلدق مؤثرات خاصة.

الجزء الخامس (الحلقة التانية- 2002) Attack Of the Clones

أفضل بكتير من الجزء اللي فات، ومقارب أو أحسن قليلاً في رأيي من “عودة الجيداي”

الشيء الأساسي إن الحكاية بقت أكثر صِلة بأحداث الثلاثية الأصلية، مع وجود شرير قوي وكاريزماتيك زي الكونت دوكو –الممثل كريستوفر لي بتاع ملك الخواتم-، والأهم إننا بنرتبط هنا من جديد ولأول مرة بمصائر الشخصيات، العلاقة بين “أناكين وباديم”، والشيء ده من الكِبْر والغضب الملموس في شخصية “أناكين” –بقدر يليق لحد هيبقى بعد كده دارث فيدر-، حتى أداء إيوان مكريجور لشخصية أوبي وان كانوبي اتحسن كتير وبقى على صلة قوية بالشخصية اللي كانت أخاذة في الثلاثية الأصلية بأداء أليك جينيس.

الجزء السادس (الحلقة الثالثة – 2005) Revenge Of The Sith

فيلم عظيم!

أنا ممكن أدَّعي إن كتابة البوست ده كاملاً وتدوين تجربة إعادة المشاهدة من أجل الوصول لهنا والقول إن ده فيلم عظيم!

لما شفت الفيلم أول مرة من قرابة 9 سنين على الأغلب مكنتش شفت الثلاثية القديمة، كان فيلم كويس، بس عمري ما تلمّست جوانب العظمة دي فيه، بس في المشاهدة دي، بعد أيام من حرب النجوم.. أنا سقَّفت فعلاً لما آخر مشهد من الفيلم خلص إمبارح بالليل! عشان قيمته في ذاته بس الأهم يمكن علاقته بأحداث لاحقة عليه شفناها في الثلاثية الأولى.

متابعة قريبة وبناء نفسي عظيم لشخصية “أناكين” وكيفية تحوله لـ”دارث فيدر”، الفيلم استفاد جداً من معرفتنا بمصير بطله من البداية، فبقينا بنترقب -بأسف- مآل الأمور، السؤال هو “كيف سيحدث” مش “ماذا سيحدث”، ده خلق تفاعل مختلف بين المتفرج والحكاية، كإن في كل مشهد بتبقى عايز تمنع الحدث اللي بيأدي للأمر المحتوم، وبتتابع بأسى لإنك عارف في النهاية إيه المصير.

فيلم سوداوي وحزين جداً، مع كتابة ناضحة من جورج لوكاس، وتأثرات بديعة بفاوست وماكبث أَثْرِت عُمق الحكاية (القدر) و(المصائر الدائرية) اللي بتكتمل لما تكون معرفتك باللي هيحصل هي السبب في إنه يحصل.

“You were the chosen one, It was said that you would destroy the Sith, not join them, Bring balance to the Force not leave it in darkness,
لقد كُنت أخي يا أناكين.. لقد أحببتك”

.
.

إعادة المشاهدة (الجمعة 18 ديسمبر – الإتنين 21 ديسمبر)

عن الذهاب إلى أوسلو في الثلاثين من أغسطس

فيه شيء جميل بشأن الأفلام والكُتب، فكرة ما عن اللي تسيبه هناك وترجع تلاقيه

هَشرح، من أكتر من 10 سنين كان يوسف إدريس هو أكتر كاتب قريتله في حياتي، أقدر أدَّعي إني قريت تقريباً 90% من إرثه، اللي هو ضخم جداً، كل قصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته بالتأكيد، وكمان كتبه اللي عبارة عن مقالات مُجمَّعة، في الوقت ده كان زي ما يكون أبويا مثلاً، شغف حقيقي وفِهم للعالم –في الوقت المُبكر جداً ده- من خلاله، أشياء عديدة عن هشاشة الناس والزمن ولحظات الضعف العنيفة، أظن إن أغلب أدبه متعلّق بلحظات الضعف دي، ومن المثير للانتباه إن لو بكتب سيرته الذاتية مثلاً هركز على لحظات الضعف اللي مر بيها وكانت نقط أساسية في حياته

المهم، كبرت، وكان عالمي بالضرورة بيكبر، اللي بقراه وبشوفه وبستوعبه، وكان بقالي وقت طويل مقريتش لإدريس، وتراجع مع الزمن، بقيت حتى خايف إني أرجع أقراه فألاقيه مُختلف عن ذكرياتي عنه، لحد ما في وقت كنت بزور بيت أهلي، أعتقد في 2011، ولقيت نُسخة قديمة من بتوع مكتبة مصر لمجموعة “حادثة شرف”، فتحتها.. وقريت القصة اللي شايلة اسم المجموعة وقصة تانية طويلة اسمها “سره الباتع”، كانت كتابة وحكايات عظيمة، فاكر قد إيه الليلة دي كانت لحظة كبيرة، كنت بحتفي إن ما تركته عند الراجل رجعت بعد سنين لقيته

بحس ده في الأفلام، إزاي لما بنكبر ونتغيَّر ممكن اللي كان بيجذبنا في فيلم قبل كده منبقاش حاسينه دلوقتي، عشان كده لما بفكر مثلاً في كلمة “فيلم مُفضل” أقرب حاجة بتيجي لذهني فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا”، لإنه أكتر فيلم شفته في مراحل مختلفة في حياتي، وشايل فيه تفاصيل ولحظات وجمل وحركات كاميرا، وكل مرة برجع كل حاجة بتكون مكانها

آخر مرة شُفت فيلم “الحرّيف” كنت حاسس بكده، إن بقالي سنين مشفتوش، بس كل “لحظات الفيلم المُقدسة” كانت هنا، وهي لحظات عابرة جداً، لما فارس بيطلّع الجنيهات القليلة عشان يدّيها لكابتن مورو، الطريقة اللي بيرمي بيها الفلوس قدام الناس بتوع بورسعيد، شدّة القفص لما راح يزور أبوه، جملة “مببيعش إلا أجنبي يا فارس”، بصته في المرايا على مورو لما بيوصله آخر الفيلم، هزة راسه وضحكة “لا حول ولا قوة إلا بالله” لما قريبه بيعدي مع عزيزة، “مفيش إلا حريف واحد يا أبو رجل خشب”، كل التفاصيل الصغيرة والذكريات المتناثرة جوا الأفلام

أول إمبارح كانت لحظة مثالية عن “اللي بنسيبه جوا الأفلام”، كان عرض “أوسلو 31 أغسطس” في أضف

فاكر كويس مشاهدة الفيلم في 2012، مرة في السينما، ومرة لاحقة مع هبة، إني من وقتها بعتقد إن ده من أقرب الأفلام ليَّ، إنه عن مُحاولة نجاة مَقْضِي عليها بالفشل، إني كنت وقتها بكتب فيلم عن الانتحار.. وانقطاع الأمل.. ولما شُفت “أوسلو” حسيت إني مش عايز أكتبه عشان خلاص، ده الشيء اللي كنت بكتب عشان أحاول أفهمه

من وقتها مشفتش الفيلم على بعضه، لحد يوم التلات، كنت مستغرب إزاي تفاصيل في الفيلم مختلفة عن صورتها في ذاكرتي.. وفي نفس الوقت مُندهش من قد إيه كل حاجة في مكانها

في ذاكرتي، مثلاً، إن أندرش بيقعد في كافيه، وبنسمع صوت الناس، وبنشوف آوت أوف فوكس، ثم بيحصل قطع حاد عليه في كافيه داخلي قاعد لوحده
في الفيلم، المشهد بيكون أطول وأعظم من كده، أندرش قاعد، بنسمع صوت الناس، بنشوف استراقه النظر ليهم، كل واحد بيتكلم عن حاجة، عن حيواتهم الممتلئة، ثم –وفي تفصيلة عظيمة- بيبص على ناس بتتحرك في الشارع.. بنت جميلة فشخ وشكل جسمها متناسق.. بيتخيّل إنها بتمشي.. بتروح الجيم.. بتتمرن.. وتروح السوبر ماركت تشتري أكل.. وترجع البيت.. وتكون (وحيدة)، ولد شكله كويس.. بيتخيّل إنه ماشي لحد ما بيوصل لحديقة وبيقعد (وحيد)، تصورات أندرش عن حزن الناس.. وإن مفيش مَهْرب منه

في ذاكرتي مشهد مقابلة العمل أطول وأقل عظمة من كده، وإن مشهد الصديق القديم أقصر وأكثر عظيمة من كده، وإني مكنتش فاكر أصلاً ناريشن الحديث عن الأهل ولما شفته كان من أجمل الأصوات الخارجية اللي سمعتها في الأفلام

ثم فيه الحاجات اللي كانت زي ما هي، مُفتتح الحديث عن أوسلو، الحزن المتراكم في كل دقيقة في الفيلم، انقطاعات الأمل البطيئة، والقرار الشخصي بعدم الاستسلام لإغواءات الأمل، لأنه قد اكتفى، لحظة الأخت، ولحظة الحديث مع الحبيبة كتمسُّك أخير بكل شيء، كيف خذلته الحياة يوم الثلاثين من أغسطس وكيف خذلها؟ جملة أندرس الممتلئة فعلاً بالخيبة “لأ مش حقيقي، هتقضي ألف ليلة زي دي ومش هتفتكري حتى اللي حصل، كل حاجة هتتنسي”.. فتسأل “كل حاجة؟” ويُجِيب “كل حاجة”

وقبل كل شيء هناك الجملة اللي كنت ناسيها ولما فجأة لقيتها قدامي افتكرت قد إيه كانت بليغة وقادرة توصف حاجات كتير.. وإني لوقت طويل جداً كنت بفتكر الثورة بيها.. وبعد يومين من إعادة الفرجة كل شوية بفتكرها وأرددها:

“كان الجميع موقناً من الفوز.. أتذكر مدى خيبة الأمل”

.
.

تاريخ المُشاهدة: 15 ديسمبر

Victoria (2015)

عجبني الحوار /الإخراج/ التمثيل/ طزاجة السينما بس الفيلم ما عجبنيش.

استصياع السيناريو في محاولة إدماجه تقديم فيلم حي بروح ودم ( عارف/ة  لما بياع السمك يغريك ويقولك: ده صاحي وبيلعب. أهي الروح دي)، مع خط أكشن عنده 90 سنة من النوع اللي بياكل (بيئة على رأي مصري)، الدمج ده  عضعض في روح الفيلم وساعدني أخلص ليفل طويلة في جيم على الموبايل.

على ناحية تانية كنت بفكر وأنا بتابع الكاميرا اللي صايعة في شوارع برلين ورا أبطالها  في الشوارع اللي عشان نصور فيها محتاجين 500 تصريح وبروديوسر بيعرف يظبط أموره معاهم، وفي الأفلام المحبوسة جوه ديكورات خلت الأفلام شاحبة وممصوصة الروح ومتكلسة.الغريب إن دلوقتي مع الموبايلات والكاميرات الجديدة اللي تقدر تراوغ  التصاريح، . لسه ما شفتش فيلم مصري اتجرأ يخرج بره اللوكيشن.

 فيكتوريا كان ممكن يبقى أحلى لو صناعه خلوه يفضل للآخر شبه الشوارع اللي بيحصل فيها بدل شوارع أفلام تانية.